أسرار التحرير الصحفي.. من غرفة الأخبار إليك.. نماذج حية وخطوات عملية

عالم التحرير الذي ستراه هنا ليس فيه نظريات مقدسة. سندخل هذا العالم ونمشي على مهل ونمعن النظر في كل تفاصيله. تعرف على المحرر المحترف المهووس بعد كلماته، البخيل في استخدام المفردات. إنه محرر ينقد جمل أخباره كلمات من جيبه. أكثر من 120 نموذجاً لهفوات تحريرية من داخل غرف الأخبار. نعرض مشكلاتها ونقدم مقترحات حل لها، خطوة بخطوة. تفصيل للفوارق التحريرية بين قال وأكد وصرح وشدد وألمح وغيرها من المفردات التي تعد الخبز اليومي للمحرر المحترف. تعرف على كيفية تحرير العناوين والمقدمات والمتون واستراتيجيات تطويرها بالتقصير أو التطويل وفق خطوات حرفية كما في غرفة الأخبار. مفاهيم عصرية لم تطرق من قبل مثل المنطق التحريري والذائقة التحريرية والإتيكيت التحريري والإعراب التحريري والبرمجة التحريرية. استشراف لمستقبل تحرير الأخبار في عالم بدأ ينتقل من الكلمة إلى الحرف في ظل تحول الجمهور إلى وسيط والقارئ إلى محرر.
المزود: بائع مقالات
$10.00

ما يشبه المقدمة

كلنا لا نحب المقدمات، لكن قصة التحرير الصحفي التي نحن بصدد تقديمها متشعبة وذات تفاصيل كثيرة، وقد لا يفيها حقها مجلدات، لا كتاباً صغيراً كالذي بين يديك. ورغم أن هذه الحقيقة لم تكن لتثنينا عن تناول الموضوع بطريقة مختصرة وممتعة وعملية، فقد وجدنا أن الحل يكمن في تتبع خطوات التحرير ذاتها، فنختار نافذة محددة نطل منها على عالمه، ونبدأ الكتاب بتقديمها في ما يشبه المقدمة، تسهيلاً على قارئنا العزيز.

وعالم التحرير الذي ستراه من نافذتنا ليست فيه قواعد جامدة أو نظريات مقدسة، فهو خالٍ من القوالب الجاهزة التي تعلمناها ونحن على مقاعد الدرس، وكذلك أنماط التفكير المعلبة التي أكل عليها الزمان وشرب. وسندخل إلى هذا العالم ونحن نمشي على مهل، كي نمعن النظر في تفاصيله، وندقق في ثناياه، وننقله إليك بدون زركشة أو تجميل.

والمختلف في هذا الكتاب، بل والمختلف تماماً، هو أننا سنتحدث عن التحرير الصحفي باعتباره مهارات ذهنية وحرفية ولغوية تتعلق بكيفية التعامل مع النص. وهذه المهارات يعرف بعضها أو كلها، كل من مارس المهنة باحتراف. إلا أنها تكاد تكون ممتنعة، بل ومستحيلة، على كل من اكتفى بالنظر إليها عن بُعد، ولم يُمرن نفسه على الانخراط في تطبيقاتها.

فالتحرير الصحفي، عزيزي القارئ، مهارة مكتسبة، يمكن للدارس المبتدئ التعرف عليها إذا ما التحق بأحد برامج تدريس الصحافة المكتوبة في إحدى الكليات أو الجامعات. لكن التعليم الجامعي يبقى العتبة الأولى في سلم طويل للوصول إلى مرحلة الاحتراف، حتى وإن أُلقيت على الدارس عشرات المحاضرات أو حصل على كل ما يمكنه من الشهادات. وتظل المسافة بين غرفة الدرس وغرفة الأخبار كبيرة، إلى أن يسعى المهتم إلى تقليصها من خلال تحويل المعلومات النظرية التي يعرفها إلى مهارات ترقى في سلم تصاعدي، يربط المعرفة الأولية بالمهارات المكتسبة.

قد يتبادر إلى ذهنك أسئلة عدة: ما طبيعة تلك المهارات يا ترى؟ وكيف لي أن أكتسبها؟ وهل من طريقة لبنائها حالياً وتطويرها في المستقبل؟

من نافذتنا، التي نطل منها على عالم التحرير الصحفي عبر هذا الكتاب، سنرتب الأمور تصاعديا من البسيط إلى المعقد عبر مستويات ثلاثة تقارب خطوات التحرير من منظور نأمل أن يكون واضحاً:

المستوى الأول (القراءة العامة)

الخطوة الأولى: نتعرف فيها على المفاهيم الأساسية ذات الصلة بالتحرير الصحفي باعتباره عملية يومية متشعبة، من داخل غرفة الأخبار.

الخطوة الثانية: نركز فيها الحديث على مهارات التحرير الأولية وأدواته، التي يحتاج أن يتقنها كل محرر صحفي وهو يخطو خطواته الأولى في عالم التحرير.

الخطوة الثالثة: نتناول المحاذير الرئيسة التي ينبغي لكل محرر الأخذ بها، لاعتبارات تتعلق بأخلاقيات المهنة أولاً، والمؤسسة التي يعمل فيها ثانياً، والمتلقي الذي يكتب له ثالثاً.

المستوى الثاني (تحرير النص)

            الخطوة الأولى: نتطرق فيها إلى ماهية العنوان، ومشكلاته الأساسية، وكذلك كيفية بنائه، وصولا إلى عرض مختارات من عناوين جيدة وأخرى مبتكرة.

            الخطوة الثانية: نسلط الضوء فيها على كيفية تحرير المقدمات، وطرق بنائها وتطويرها استنادا إلى نماذج عملية، بالإضافة إلى أبرز أنواع المقدمات التي يجب على المحرر تجنبها.

            الخطوة الثالثة: نصب تركيزنا فيها على كيفية تحرير المتون الصحفية، وتقنيات بنائها، واستراتيجيات تطويلها أو اختصارها عبر مجموعة من النصوص الإخبارية المتنوعة.   

المستوى الثالث (النشر ومحدداته)

            الخطوة الأولى: نتعرف فيها على ماهية الجودة من منظور التحرير الصحفي، وكيفية بناء معاييرها، وطرق قياسها للنصوص الصحفية المختلفة وتقييمها.

الخطوة الثانية: نناقش فيها تقاطعات الجودة التحريرية مع السياسة التحريرية للمؤسسة الصحفية، ونعرض لنقاط الالتقاء والافتراق بين المفهومين من وجهة نظر تطبيقية بحتة.

الخطوة الثالثة: نستعرض فيها أحدث ما وصلت إليه تقنيات التحرير الصحفي في عالم التكنولوجيا، ونستشرف مستقبل التحرير خلال السنوات المقبلة في ضوء التغيرات الحالية.

قد يسأل سائل هنا، لماذا اعتبرت هذا الكلام كله شبه مقدمة، وهو كما نراه، مقدمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى؟

السبب أن نافذتنا على عالم التحرير الصحفي نافذة غير أكاديمية ولا ترتيب الأشياء والأحداث ضمن أي خط زمني. وهذا أمر يقارب إلى حد بعيد ما يجري في غرف الأخبار وصالات التحرير التي تعمل في المؤسسات الصحفية الضخمة كخلايا نحل على مدار الساعة. فالأخبار الواردة من وكالات الأنباء والصحفيين والمصادر الأخرى لا تتوقف على الصب ليل نهار في غرفة الأخبار. كما أن المحررين والمنتجين في غرف الأخبار لا يتوقفون عن عمليات الاستلام والتسليم لما ينتجون من أخبار وتقارير. وليس غريباً إن قلنا إن كل هذا يحدث بدون أن يكون لحدث بعينه بداية أو نهاية.

في هذا الكتاب، سِرنا عزيزي القارئ، على المنطق ذاته الذي تسير عليه عملية صناعة الأخبار في غرفة الأخبار. إذ لن نبدأ من عند نقطة بعينها في عملية التحرير، بل سنضعك فوراً في ذلك العالم. وبذلك يصير هذا الكلام أشبه بالمقدمة لا مقدمة لأحداث مرتبة.

    

هناك بعض الملاحظات الهامة التي ينبغي أن نوضحها لك عزيزي القارئ بخصوص ما ستراه في هذا الكتاب:

-         وضعنا هنا أكثر من 120 نموذجاً لهفوات تحريرية، منها ما هو شائع وآخر خفي، وقمنا بعرض المشكلات فيها، وقدمنا مقترحات حل لها. وكل هذه الأمثلة جاءت عملية من الواقع الصحفي الذي نعيشه.

-         استخدمنا في تحرير الأمثلة التي عملنا عليها استراتيجيات خاصة تحكمها، وحاولنا أن نقدم أمثلة بها مشكلات تمكننا أن نستنتج منها قواعد يمكن السير عليها لمن يريد أن يأخذ بها.

-         سترى بين الصفحات القادمة سنناً تواصلية متفق عليها ضمن بعض المؤسسات الصحفية، وفي صفوف الكثير من الصحفيين والمحررين، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو غير ذلك، وقد اجتهدنا في تصحيحه.

-         طوّرنا عبر صفحات هذا الكتاب ما يمكن أن نسميه "الذائقة التحريرية"، وذلك استنادا إلى الممارسة اليومية للتحرير في غرفة الأخبار، وما يفرضه المنطق التحريري على النص.

-         استخدام استراتيجية أو طريقة في تحرير نص ما، لا يعني بأي حال من الأحوال أن شخصا آخر لا يستطيع أن يحرر النص ذاته بطريقة مختلفة. المهم هو الاتفاق على منطقية أسلوب التحرير وصحته.  

-         الوصول إلى نص مثالي بعد تحريره هو أمر حرفي وذوقي، له علاقة وثيقة الصلة بالخلفية الإنسانية والاجتماعية والمعرفية للمحرر، وبالمؤسسة الصحفية التي ينتمي إليها.